٢٥ سنة الجزء الثاني روماني مكرم

لمحة نيوز


مجرد سجل رشاوي، بل هو خريطة. خريطة لعمليات تهريب كبرى كانت تتم عبر أنفاق تحت عزبة أبو رجيلة، وأن منصور القناوي لم يختفِ، بل كان يُدير العمليات من مكان لا يتخيله أحد.
قلب حسن الصفحة الأخيرة، فوجد صورة صغيرة مخبأة في جيب داخلي للدفتر. كانت صورة لسيدة تشبه نور تماماً، وخلفها مكتوب بخط يد مرتعش
لو قتلتني يا منصور.. بنتك هتفضل الشاهدة الوحيدة. المكان مش بس قبو.. المكان هو السرداب الملكي تحت مزارع العنب. 
المواجهة الكبرى تقترب
أدرك حسن أن اللواء رفعت لم يكن إلا حارساً للمنظومة، وأن الرأس الكبيرة، منصور القناوي، لا يزال حياً، ومختبئاً في مكان يظنه الجميع مجرد أراضٍ زراعية.
اتصل حسن بالعميد عادل
عادل.. الموضوع لسه مخلصش. رفعت كان مجرد ستار. منصور القناوي لسه موجود، ومعاه السم اللي كان بيدمر بيه البلد. أنا رايح مزارع العنب.. دلوقتى.
عادل إنت اتجننت يا حسن؟ دي منطقة جبلية ومسلحة، استنى القوات!
حسن الوقت مش في صالحنا. منصور لو شم خبر بسقوط رفعت، هيحرق الأخضر واليابس ويهرب برا البلد. أنا مش هسيب حق البنت دي يضيع في الإجراءات.
في قلب العاصفة
وصل حسن إلى أطراف مزارع العنب الشاسعة. الفجر بدأ يشق

عتمة الليل بخيط أحمر رفيع يشبه لون الدم. ترجل من سيارته، ومعه سلاحه الشخصي وحقيبة الأوراق.
كان يشعر بروح سلوى، أم نور، تحوم حول المكان. أحس برعشة في يده، لكنها لم تكن رعشة خوف، بل كانت رعشة العدالة التي انتظرت خمسة وعشرين عاماً لتتحقق.
لم يكن يعلم أن بانتظاره مفاجأة ستجعل قلبه يتوقف للحظة.. مفاجأة داخل القصر المهجور وسط المزارع، حيث كان منصور القناوي يجلس وبجانبه شخص لم يتوقعه حسن أبداً.
حكايات رومانى مكرم 
تسلل حسن بين أشجار العنب الكثيفة، كانت أنفاسه هادئة رغم تسارع الأحداث. وصل إلى القصر المهجور الذي يتوسط المزرعة؛ بناء ضخم يفوح منه عبق المال الحرام والسطوة الزائلة. لم تكن هناك حراسة مكثفة كما توقع، مما أثار في قلبه ريبة الذئب العجوز.
المفاجأة الصادمة
دفع حسن الباب الخلفي ودخل بمسدسه المصوب للأمام. في ردهة القصر الواسعة، وجد منصور القناوي جالسًا ببرود وخلفه حقائب سفر ضخمة، وبجانبه كان يقف الشخص الذي لم يتخيله حسن أبدًا.. إنه المحامي فريد، الرجل الذي ادعى طوال سنوات الدفاع عن حقوق المهمشين، والذي كان يتطوع ظاهرياً لمساعدة حسن في قضايا الجرائم الغامضة.
قال منصور بصوت أجش وهو يدخن سيجاره
اتأخرت
يا حسن.. كنت فاكر إنك أذكى من كدة وهتيجي مع القوات، مش لوحدك.
ضحك المحامي فريد بسخرية
سيادة العقيد لسه بيصدق في البطولة الفردية يا منصور بيه. ميعرفش إن القانون اللي هو بيحميه، إحنا اللي كاتبين ثغراته.
حسن، وعيناه تلمعان بصلابة
القانون ممكن يتخرم يا فريد، بس الحقيقة ملهاش ثغرات. نور حكت كل حاجة، واللواء رفعت دلوقت بيتحقق معاه في أمن الدولة. نهايتكم كانت في المنديل الصغير اللي نور كانت ماسكة فيه.
السقوط المدوي
تحرك منصور فجأة ليسحب سلاحه من فوق الطاولة، لكن رصاصة حسن كانت الأسرع، لم تصبه في مقتفل بل أصابت كتفه ليقع أرضاً صارخاً. وفي تلك اللحظة، اقتحمت قوات العمليات الخاصة القصر من كل جانب بقيادة العميد عادل.
ثبت مكانك يا فريد! ارمي السلاح يا منصور! صرخ عادل وهو يحيط بالمكان.
وقع المحامي فريد على ركبتيه من الرعب، بينما كان منصور ينزف ويحاول الزحف نحو إحدى الحقائب. فتح حسن الحقيبة بقدمه، لتتناثر منها مئات الملفات والصور التي تدين شبكة فساد دولية، وليس فقط محلياً.
اللقاء الأخير
بعد أسبوع من تلك الليلة، وقف العقيد حسن أمام نافذة غرفة نور في المستشفى. لم تعد المجهولة؛ بل عادت نور منصور القناوي،
الوريثة الوحيدة لمساحات شاسعة من الأراضي التي صادرها القانون لتعود للدولة، مع تخصيص جزء منها كتعويض لها.
كانت نور جالسة على السرير، ملامحها بدأت تسترد بعض حيويتها، وبجانبها الدكتورة سارة التي أصبحت مرتبطة بها عاطفياً. دخل حسن وسحب كرسياً وجلس بجانبها.
أخرج حسن المنديل س . م الذي تم تنظيفه ووضعه في إطار خشبي أنيق
ده حقك يا نور.. وحق مامتك. الحساب اتصفى، والبعبع خلاص ملوش وجود.
نظرت إليه نور، ولأول مرة، ارتسمت على وجهها نصف ابتسامة، ومدت يدها لتمسك بيد حسن الخشنة التي لم تعد ترتعش.
الحكمة ميزان لا يخطئ
خرج حسن من باب المستشفى، خلع بذرة الشرطة للمرة الأخيرة، فقد حان موعد معاشه. نظر إلى السماء الزرقاء الصافية وتنفس بعمق، وفي عقله ترن كلمات جده القديمة
يا بني.. الظلم قد يبني قصوراً من حديد، لكن دمعة مظلوم واحدة قادرة على إذابة الحديد وتدمير القصور. ليس القوي من يملك السلاح والرتبة، بل القوي من ينام وضميره في ذمة الله، يعلم أن ميزان السماء لا يخطئ، وإن تأخرت كفته في الارتفاع.
 
مضى حسن في طريقه، تاركاً خلفه ملفاً أغلق بالعدل، وقلباً صغيراً بدأ ينبض بالحياة من جديد، مؤمناً بأن الحق قد ينام،
لكنه أبداً لا يموت.
تمت

 

تم نسخ الرابط