٢٥ سنة الجزء الثاني روماني مكرم

لمحة نيوز

ساد الصمت المطبق، وحده صوت أجهزة التنفس الصناعي التي تعمل بالبطاريات الاضطرارية كان يصدر صفيرًا رتيبًا وموترًا. وضع حسن يده على فم الدكتورة سارة ليمنعها من الصراخ، وسحبها خلف خزانة الملفات المعدنية.
صوت الخطوات اقترب.. لم تكن خطوات عشوائية لمجرمين، بل كانت وقع أحذية ميري ثقيلة ومنظمة.
المواجهة خلف الأبواب المغلقة
انفتح باب المكتب ببطء، وظهر خيال رجل ضخم يحمل كشافًا قويًا. لم يكن عطوة ولا رجاله، بل كان الرائد مروان، أحد أكفأ ضباط العمليات الخاصة والمقرب جداً من اللواء رفعت.
قال مروان بصوت هادئ ومستفز وهو يحرك كشافه في أركان الغرفة
يا سيادة العقيد.. إحنا عارفين إنك هنا. اللواء رفعت خايف عليك، وبيقولك بلاش تضيع تاريخك عشان قضية خسرانة. سلمنا الأمانة اللي معاك، وكل حاجة هتتصلح.
لم يتحرك حسن، كان يراقب من ثقب صغير بين الملفات. رأى مروان يقترب من المكتب، حيث كانت الصورة والدفتر. في تلك اللحظة، اتخذ حسن قراره. سحب هاتفه المحمول، وبسرعة مذهلة ضغط على زر تسجيل وأرسل موقعة الجغرافي لشخص واحد فقط.. صديق قديم يعمل في الرقابة الإدارية.
صرخة نور
فجأة، دوى صوت صراخ آتٍ من الطرقة.. كان صراخ نور.
يبدو أن أحد رجال مروان حاول دخول غرفتها، مما أثار رعبها الدفين. ذلك الصراخ الذي وصفته الدكتورة سارة سابقاً بأنه بلا

صوت، خرج هذه المرة قوياً، حاداً، كأنه يمزق جدران المستشفى.
ارتبك مروان للحظة، والتفت بظهره نحو الباب. استغل حسن الفرصة، وخرج من مكمنه كالأسد العجوز الذي استعاد شبابه، وهجم على مروان. اشتبكا في ظلام الغرفة، سقط المسدس من يد مروان، وتبادلا اللكمات العنيفة.
إنت بتخون البدلة اللي لابسها يا مروان! صرخ حسن وهو يثبته أرضاً.
البدلة دي ليها أصحاب كبار يا سيادة العقيد.. وإنت مش منهم! رد مروان وهو يحاول الوصول لسكين مخبأة في ساقه.
استطاع حسن تقييد مروان باستخدام أفيز بلاستيكي كان في جيب بذرة العمليات الخاصة الخاصة بمروان، ثم سحب الدفتر والصورة بسرعة.
الخيانة الكبرى
سحب حسن الدكتورة سارة من يدها لازم نمشي من هنا.. حالاً! البنت فين؟
قالت سارة وهي ترتجف الممرضة نقلتها لغرفة الأشعة تحت.. مفيش حد يعرف مكانها.
بينما كانا يحاولان الخروج من الممر الخلفي، أضاءت أنوار المستشفى فجأة، وظهر اللواء رفعت الشناوي في نهاية الممر، وحوله حصار من سيارات الشرطة والمسلحين.
وقف رفعت ببرود، وبيده جهاز لاسلكي
انتهت اللعبة يا حسن. الدفتر اللي معاك ده مش هيخرج من هنا. إنت دلوقتي متهم بمقاومة السلطات، والاعتداء على ضابط أثناء تأدية عمله، ومحاولة اختطاف طفلة مجهولة.
ضحك حسن بمرارة وهو يرفع الدفتر في الهواء
والتسجيل اللي بعته للرقابة
الإدارية يا سيادة اللواء؟ وصورة منصور القناوي وهو بيسلمك شنطة الفلوس في عزبة أبو رجيلة؟ دي كمان انتهت؟
تغيرت ملامح رفعت، واهتزت الثقة في عينيه لأول مرة. نظر حوله لرجاله، ثم قال بنبرة خفيضة
خلصوا عليه.. وقولوا إنه قاوم الاعتقال.
خيط الأمل الأخير
وقبل أن يضغط أي عسكري على الزناد، رن جرس المصعد القريب. انفتح الباب، وخرجت منه نور تجلس على كرسي متحرك، تدفعه ممرضة شابة وهي تبكي رعباً.
توقفت نور ونظرت إلى اللواء رفعت. اتسعت عيناها، وبدأت تشير إليه بإصبعها المرتعش وتتمتم بكلمات غير مفهومة في البداية، ثم تحولت الكلمات إلى صرخة واضحة زلزلت المكان
هو.. هو اللي كان بيجي للبعبع.. هو اللي قفل الباب على ماما!
تسمر الجميع في أماكنهم. العساكر الذين كانوا يوجهون سلاحهم لحسن، خفضوا فوهات بنادقهم ببطء وهم ينظرون لآمرهم بذهول.
في تلك اللحظة، سمع الجميع صوت سارينات بعيدة.. ليست سارينات شرطة عادية، بل كانت قادمة من جهة سيادية عليا.
أمسك حسن بالدفتر بقوة وقال لرفعت
الحساب مبيخلصش بالقتل يا رفعت.. الحساب يادوب بدأ.
حكايات رومانى مكرم 
ساد وجوم قاتل في الممر. كلمات الطفلة نور كانت كالقذيفة التي حطمت جدار الهيبة الذي بناه اللواء رفعت طوال عقود. العساكر والضباط الصغار تبادلوا نظرات حائرة؛ العقيدة العسكرية في صدورهم
بدأت تتصارع مع الأوامر التي تلقوها لتوهم.
سقوط القناع
لم يستسلم رفعت بسهولة. كان ثعلباً يعرف كيف يخرج من الجحور الضيقة. صرخ في جنوده بصوت كاد ينكسر من الغل
إنتوا هتصدقوا بت مجنونة؟ دي حالة نفسية ومبتعرفش بتقول إيه! نفذوا الأوامر فوراً!
لكن حسن خطى خطوة للأمام، واضعاً جسده كحائط صد أمام نور، وقال بنبرة هادئة وواثقة
المكالمة اللي سجلتها وبعتها، مكنتش بس للرقابة الإدارية يا رفعت.. أنا بعتها لجروب الدفعة، ولأصحابنا اللي لسه فيهم ريحة الشرف. مصر كلها دلوقتى بتسمع اعتراف مروان وهو بيقول إنك خايف من الدفاتر.
في تلك اللحظة، تعالت أصوات السرينات بالخارج، واقتحمت قوة من الأمن الوطني والرقابة الإدارية بهو المستشفى. كان يقودهم العميد عادل، صديق عمر حسن.
دخل عادل ونظر إلى اللواء رفعت بأسى
يا خسارة الرتبة اللي على كتفك يا سيادة اللواء. سلاحك يا فندم.. إنت والضابط مروان.
حاول رفعت المقاومة، لكنه وجد نفسه محاصراً برجال يعرفون تماماً حجم الجريمة. سُحب رفعت ومروان وسط ذهول الجميع، وبينما كان يُقاد للخارج، التفت حسن إليه وقال
البعبع اللي كنت بتخوف بيه الناس.. طلع هو اللي خايف من طفلة.
سر القبو المزدوج
بعد هدوء العاصفة، لم يذهب حسن لبيته. جلس بجانب سرير نور التي كانت نائمة بفعل المهدئات. بدأ يتصفح الدفتر الذي استعاده
من القبو بدقة أكبر.
اكتشف أن الدفتر ليس
 

تم نسخ الرابط