مع اخر كبشة تراب
أمي! إحنا جينا.. جبنالك عشا.
مارديتش. ماتحركتش. يادوب بتنفس.
التليفون هز تاني
ماتفتحيش الباب.
فضلت واقفة مكاني. الخبط على الباب تحت بدأ يزيد، وسمعت صوت هيثم حاد
يا أمي.. بلاش تصعبي الأمور. الدكتور بس جاي يطمن على ضغطك عشان إنتي تعبانة.
وبعدين جه صوت خالد.. بس المرة دي ماكانش فيه أي حنية ولا دفى
افتحي الباب يا أم خالد.
سكت ثواني.. وكمل بصوت قاسي يخوف
افتحي الباب!
الرعب مسك في قلبي. جريت على أوضة النوم، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي حسام كان حاططها في الدولاب. طلعت منها الطبنجة المرخصة بتاعته اللي ماشفتهاش من سنين. ماعرفش أضرب بيها إزاي، بس مجرد مسكتي ليها إديتني شجاعة ماحستش بيها من ساعة ما قالولي إنه مات.
فجأة.. مسدج جديدة
اخرجي من باب الجنينة الوراني.. السواق القديم لسه على العهد.
عيني وسعت من الصدمة. السواق القديم؟ عم أبو ياسر؟ الراجل اللي شغال مع حسام بقاله عشرين سنة وخالد طرده من شهرين من غير سبب؟
في اللحظة دي.. سمعت هبدة جامدة أوي تحت، وبعدها صوت إزاز بيتكسر.
قلبي وقع في رجلي.
كسروا شباك الصالة.. ومابقوش مستنيين أفتح لهم!
جريت على المطبخ عشان أخرج من الباب الوراني. وعالترابيزة، كانت لسه كوباية الشاي بتاعة حسام محطوطة. بس المرة دي، أخدت بالي من حاجة ماكنتش شايفاها قبل
إزازة قزاز صغيرة أوي وفاضية، متدارية ورا سكرية الشاي.
مديت إيدي أخدتها، وشميتها. ريحتها تمرر الريق.. ريحة كيماويات غريبة.. ريحة تشبه الموت.
تليفوني هز
شفتي هما استخدموا إيه؟
عيني زغللت بالدموع، وكتبت بسرعة أنت فين؟
الرد اتأخر المرة دي. بس خطوات ولادي كانت خلاص جوه البيت.
سمعت هيثم بيزعق
أمي! إحنا مش عايزين نخوفك، بس إنتي مش في حالتك الطبيعية ولازم تاخدي حقنة مهدئة!
فتحت باب المطبخ وطلعت أجري في الجنينة الضلمة. وفي الشارع الخلفي الضيق، كانت في عربية قديمة مطفية نورها واقفة مستنية. إزاز العربية نزل.. كان عم أبو ياسر!
قالي بسرعة
اركبي يا أم خالد.. حسام بيه موصيني أجيلك لو حصل حاجة.
حسيت إن الأرض بتلف بيا. سألته
عم أبو ياسر.. أنت عارف جوزي فين؟
ماردش عليا.. بس بص ورايا.
لفيت وشي، لقيت خالد طالع يجري في الجنينة، وأول ما شافني صرخ
أمي.. اقفي عندك!
نطيت في العربية، وعم أبو ياسر داس بنزين وطلعنا نجري بعيد عن البيت.
وبينما أضواء الشوارع بتجري ورايا، والفيلا بتبعد وتختفي... تليفوني هز للمرة الأخيرة في الليلة دي.
بصيت على الشاشة. كانت مسدج قصيرة أوي.. كلمتين بس
ماتسأليش دلوقتي.
فضلت باصة للشاشة في صمت تام، وعقلي مش قادر يفكر غير في سؤال واحد بس مرعب...
فضلت باصة لشاشة التليفون
عربية عم أبو ياسر كانت بتشق طريق الضلمة، وكل ما بنبعد عن الفيلا، قلبي كان بيدق أسرع. السكوت في العربية كان تقيل، يادوب صوت الموتور وحفيف الشجر على الطريق السريع.
مقدرتش أمسك نفسي أكتر من كده، سألته وصوتي بيترعش
عم أبو ياسر... أبوس إيدك طمني، إحنا رايحين فين؟ ومين اللي اتدفن النهاردة؟ حسام عايش صح؟
بص لي في المراية، وعينه كانت مليانة شفقة وقال بهدوء
اطمني يا أم خالد. حسام بيه بخير، وكل الأسئلة اللي هتموتك دي هتلاقي إجابتها عنده كمان دقايق. اصبري بس.
بعد حوالي ساعة، دخلنا طريق زراعي هادي، ووقفنا قدام بيت ريفي صغير ومقفي بسور عالي. بيت كنت نسيته تماماً.. ده شاليه قديم كان حسام شاريه من يجي تلاتين سنة في أطراف المنصورية وكنا بنقضي فيه أوقات زمان قبل ما العيال تكبر وتتشغل في الدنيا.
الباب الحديد اتفتح، والعربية دخلت.
وقبل ما أفتح باب العربية وأنزل، لقيت باب الشاليه بيتفتح.. وفي نور خافت طالع من جوه، ظهر منه خيال راجل.
راجل ظهره محني شوية، بس وقفته ما تتوهش عني.
نزلت من العربية زي اللي مضروبة على راسها. الخطوة بتجر الخطوة، والدموع سبقتني.
كان هو.
حسام.
لابس جلابية بيت عادية، ووشه باهت وتعبان، بس عايش.. بيتنفس.. وبيبصلي بدموع مالية
جريت عليه، اترمينا في حضن بعض، وأنا بنهج وأبكي وأقوله
إنت عايش؟ إزاي؟ طب مين اللي في التربة؟ طب وعيالنا؟ أنا كنت هموت من الرعب يا حسام!
طبطب على ضهري وهو بياخدني لجوه الشاليه، قعدني على كنبة قديمة، وجابلي كوباية مية.
اهدي يا رفيقة عمري.. اهدي عشان تفهمي كل حاجة. أنا آسف إني عيشتك الرعب ده كله النهاردة، بس ده كان الحل الوحيد عشان أنقذك، وأنقذ نفسي.
الحقيقة المرة
مسك إيدي، وبدأ يحكي، وكل كلمة كانت بتنزل على قلبي زي الرصاص
من شهرين، بدأت أحس بتعب غريب. دوخة، ضربات قلب سريعة، ووجع في معدتي ما بيروحش. رحت لدكتور صاحبي في السر، عملي تحاليل، واكتشف إن في نسبة سموم بتتراكم في دمي. سم بطيء.. بيتاخد نقط في الشاي أو القهوة.
شهقت وحطيت إيدي على بوقي وأنا بفتكر الإزازة اللي لقيتها ورا السكرية!
كمل حسام وعينه مكسورة
ماكنتش مصدق. مين مصلحته يموتني؟ أنا كتبت للعيال نص أملاكي وهما عايشين! ركبت كاميرا صغيرة في مكتبتي، وكاميرا تانية في المطبخ. واللي شفته على الفلاشة اللي لقيتيها في الدرج السري، كسر ضهري يا أم خالد.
سكت ثواني يبل ريقه، وكمل بمرارة
شفت ولادك وهما بيحطوا النقط في شايي. وسمعتهم وهما بيتفقوا. الفلوس عمتهم. استكتروا عليا أعيش، واستكتروا عليكي تورثي وتتحكمي في الباقي. خطتهم