صحيت في نص الليل

لمحة نيوز

 

​أمي اتسمرت مكانها.. مسمعتش مني الكلام ده قبل كدة. هي فاكرة إن "الحدود" دي قلة أدب أو موضة، بس أنا قولتها من غير خجل ولا اعتذار.

​كملت كلامي:

— "مش هسيبك معاها لوحدكوا ثانية واحدة تانية.. ومن النهاردة، مفيش دخول أوضتنا ولا تصحي مريم بالليل.. لو في حاجة، قوليلي أنا.. بالنهار.. والنور قايد."

​— "إنت خايف مني؟" قالتها بسخرية.

​بصيت في عينيها مباشرة:

— "لأ.. أنا خايف من اللي ممكن تعمليه لو مفيش حد وقفك عند حدك.. ده اللي خايف منه، لإني لسه شايفه بعيني."

​مريم كانت قاعدة، إيديها حاضنة الكوباية كأنها طوق نجاة. مكنتش بتعيط، بس الدموع كانت محبوسة في رموشها.. كانت هلكانة، مش تعب جسم بس، ده تعب حرب باردة كل يوم فيها كان "امتحان" عشان تثبت إنها تستاهل تعيش هنا.

​أمي لفت وشها بعيد كأني ضربتها بالقلم.

— "بقى كدة؟.. بقيت أنا دلوقتي البعبع بتاعكم؟"

​هزيت راسي:

— "بالنسبة لي، إنتي دلوقتي إنسانة مارست عنف.. ومش هغمض عيني عن ده."

​السكوت كان تقيل.. فجأة، عملت الحاجة التانية

اللي صدمتهم هما الاتنين.

​روحت لباب الشقة، طلعت مفاتيحي، وبكل هدوء شيلت مفتاح الشقة من الميدالية. أمي لفت بسرعة:

— "بتعمل إيه؟"

​مديت إيدي بالميدالية من غير المفتاح ده:

— "ده مفتاح بيتنا.. مش هتستخدميه تاني."

​مريم رفعت راسها مش مصدقة.. وأمي وشها بقى أبيض زي الورق.

— "إنت.. إنت بتطردني؟ في نص الليل؟ إنت اتجننت؟ أروح فين؟"

​مخبطتش ولا عملت دراما:

— "مش بطردك للشارع.. أنا هطلب تاكسي وهيوصلك لحد بيتك معززة مكرمة، وهناك هتكوني في أمان وإحنا كمان هنكون في أمان.. وبكرة الصبح نبقى نتكلم، بس دلوقتي، مش هتباتي هنا."

​— "إنت اختارتها هي،" قالتها وهي بتفح زي التعبان. "هي اللي سرقتك مني."

​مجادلتش في كلمة "سرقتك"، سميت الحاجات بأساميها:وبقلم منــال عــلي 

— "لأ يا أمي.. مفيش حد بيسرق حد. أنا راجل كبير، فتحت بيت، وإنتي يا تحترمي ده، يا متعيشيش معانا. ده مش عقاب، ده نتيجة للي عملتيه."

​أمي قعدت على الكرسي ودارت وشها بإيديها. صعبت عليا، بس كنت عارف إن "الصعبانية" هي

السلاح اللي بتستخدمه عشان ترجع السيطرة. وقفت ساكت، سبت لها دقيقة تحس بوزن اللي حصل.

​طلبت التاكسي.. مكنش فيه "يمكن" ولا "خلينا لبكرة".. التنفيذ كان دلوقتي. مريم همست:

— "إنت متأكد؟"

​بصيت لها:

— "أيوه.. لاني لو تراجعت دلوقتي، هتحسي إني مش هقدر أحميكي.. وأنا لازم أحميكي."

​أمي مشيت ناحية الباب وهي بتحاول تفضل صلبة. وعلى العتبة وقفت وقالت بصوت واطي:

— "بكرة ترجعلي زاحف.. لما تسيبك، لما تفهم حقيقتها."

​رديت ببرود: بقلم منــال عــلي 

— "مش هجيلك إلا لما تعترفي بغلطك، وتعتذري لمراتي.. مش ليا، ليها هي.. وتوافقي على شروطي: احترام، مسافة، ومفيش تحكم.. غير كدة، هنشوف بعض في المناسبات، ده لو كان في هدوء."

​ابتسمت بمرارة:

— "هي اللي محفظاك الكلام ده؟"

— "لأ.. ده أنا.. ده أنا وأنا بـكبر."

​قفلت الباب، ورجعت المطبخ. مريم كانت قاعدة لوحدها، الكادر ده محفور في دماغي زي كادر الحوض.. بس المرة دي كان فيه هدوء مكنش موجود.. هوا نظيف ملهوش صاحب غيرنا.

​عملت لها شاي دافئ،

وقعدت جنبها.

— "إنتي مش غلطانة في حاجة،" قولت لها.

​سكتت كتير، وبعدين قالت بصوت واطي: بقلم منــال عــلي 

— "كنت فاكرة إني بتخيل.. كانت بتكلمني كأني (غلط)، كأني مديونة ليكم بحياتي، كأني لازم كل يوم أثبت إني أستحق أكون هنا."

​— "كانت عايزاكي تحسي إنك ضيفة.. عشان لو إنتي ضيفة، يبقى أنا (السيد) وهي (كبيرة البيت).. بس إنتي مش ضيفة، ده بيتنا.. بيتك إنتي."

​تاني يوم غيرت الكوالين.. خطوة بسيطة بس كان معناها "وعد" إني مش هسمح لبيتنا يتقلب ساحة معركة تاني.

​أنا مش "مع مراتي ضد أمي"، أنا مع الحق، مع الأمان، مع الاحترام.. ولما حد يكسر القواعد دي، حتى لو أمي، لازم أوقفه. بقلم منــال عــلي 

​مريم كانت واقفة قدام الشباك بالليل، النور كان هادي على وشها.

— "كنت فاكرة إنك عمرك ما هتاخد صفي،" قالتها وهي بتعيط.

​حضنتها وقولت لها: "أنا مش في صف حد، أنا في صف عيلتي الصغيرة.. ولو ده معناه إني أصدم أي حد في مكانه عشان أحميكي، يبقى هعمل كدة وأنا مرتاح."

​إنك تكون راجل يعني

تختار العدل، حتى لو العدل ده طعمه مر زي القهوة السادة.. بس في الآخر، هو اللي بيبني بيوت حقيقية.

تم نسخ الرابط