صحيت في نص الليل

لمحة نيوز

 

 

​مصرختش.. مش لإن معنديش غل، لأ، لإن الصريخ كان هيكون هدية لأمي؛ هي أستاذة في إنها تقلب أي انفعال لـ "دليل" إني "ضعيف"، أو "مضحوك عليا"، أو "مش عارف أمشي بيتي". وقفت على باب المطبخ كام ثانية بـراقب بس.. كنت بسجل في دماغي كل تفصيلة: إيد أمي اللي غارزة في شعر مراتي، كتاف مريم المشدودة ورقبتها اللي مكسورة، سرسوب المية الساقعة اللي بيخبط في الطبق، وشباك المطبخ الضلمة اللي وراه ليل مبيحسش بحد.

​مريم مكنتش بتعيط بصوت، كانت بتنهج بالعافية، كأن أي نَفَس زيادة هيخنقها أو يخليها ترجع.. الحمل بيخلي الجسم ضعيف، والذل بيكسر الروح. شفت رعشتها، وفي اللحظة دي في حاجة جوايا انقطعت للأبد.

​قربت من كرسي السفرة، قعدت، وطلعت موبايلي في هدوء قاتل. أمي لفت راسها، وعينيها وسعت من الصدمة؛ مكنتش متوقعة إني هقعد كأني في اجتماع، ولا إني هبقى هادي كدة.

​— "إنت بتعمل.." بدأت تتكلم، بس رفعت إيدي بحركة معناها "اسكتي".

​اتخرست

من الذهول.. صوابعها لسه كانت في شعر مريم، بس المنظر دلوقتي مكنش منظر "سيطرة"، كان منظر "جريمة" متصورة "كادر" ثابت.

​دوست على زرار التسجيل؛ النقطة الحمراء على الشاشة كانت منورة زي عين صغيرة بتراقب كل حاجة. لفت الموبايل ناحيتها عشان تشوفه.

​— "ممكن تعيدي اللي قولتيه تاني؟" قولت الكلمة بصوت واطي وموزون. "اللي لسه قايلة حالا."

​— "إنت بتعمل إيه؟" صوتها اتهز.. "إنت.. إنت بتجنن يا ابني؟"

​معليتش صوتي شعرة:

— "لأ، أنا بوثق. عيدي كدة: (دلوقتي وجوزك مش جنبك، هنشوف هتروحي مني فين).. واشرحيلي بالمرة ليه ماسكة مراتي الحامل من شعرها وموقفاها تغسل مواعين بمية تلج الساعة تلاتة الفجر."

​مريم اتنفضت، كأنها لسه واخدة بالها إني واقف. بصتلي، وعينيها مكنش فيها بس راحة، كان فيها "كسوف".. الكسوف اللي بيحس بيه الضحية رغم إنه المفروض يبقى من حق الجاني.

​أمي سابت شعرها فجأة كأنها لمست نار. اتعدلت وأخدت خطوة لورا بتحاول تلملم شتات

نفسها.. فجأة مكنتش "الحامة اللي بتأدب"، قلبت في ثانية لـ "الأم المظلومة".

​— "أنا كنت عايزة البيت يبقى نظيف!" قالتها بالنغمة المعتادة (أنا بعمل كدة عشانكوا). "صحيت لقيت المطبخ يضرب يقلب، قولتلها قومي اغسليهم، وهي اللي قامت.. محدش غصب حد!"

​لفيت لمريم:

— "إنتي اللي قمتي لوحدك؟" سألتها بالراحة.

​بلعت ريقها وحطت إيدها على بطنها كأنها بتحمي ابننا حتى من الكلام:

— "لأ.. هي اللي صحتني.. قالتلي (البيت ريحته وحشة) وإني (مبقومش من مكاني).. ولما قولت لها إني تعبانة،" صوتها اتهز، "راحت شداني من شعري."

​أمي قطعت كلامها بغل:

— "متألفيش! أنا يا دوب لمستك! دي بتمثل يا ابني، إنت عارفها، بتعمل من الحبة قبة!"

​بصيت لأمي، ولأول مرة من سنين شفتها زي ما الغريب بيشوفها: مش الست القوية، لا الست اللي عايزة تتحكم في الكل؛ مش الأم الحنينة، لا الست القاسية اللي مش عارفة يعني إيه "حدود".

​قمت من الكرسي وقربت من الحوض.. قفلت المية

الساقعة، وفتحت المية الدافية.. مش عشان المواعين، عشان أحسس المكان إن في "رحمة" رجعت تاني. أخدت فوطة نظيفة وحطيتها على كتاف مريم.

​— "اقعدي،" قولتلها. "متمسحيش حاجة، ومغسليش حاجة.. اقعدي اتنفسي، واشربي مية."

​صبيت لها كوباية مية بملعقة عسل، كنت عارف إن ده بيريحها لما زورها بينشف من التوتر.

​أمي برطمت بصوت واطي:

— "أنا مش عايزة حد يقلب ابني عليا.. أنا مش عدوة، أنا هنا عشان إنتوا اللي طلبتوا مساعدتي."

​هزيت راسي، ممنعتهاش من الكلام، لإن الجدال كان هيقلبها خناقة، وأنا مش عايز خناق، أنا عايز "قواعد".

​— "فعلاً،" قولت لها. "إنتي هنا لإننا طلبنا المساعدة.. ودلوقتي اسمعيني كويس: في البيت ده، محدش يلمس حد، لا بإيد ولا بكلمة.. خصوصاً لو واحدة حامل، وخصوصاً في نص الليل."

​— "إنت بتأمرني؟" الشرارة رجعت لعينيها تاني. "أنا أمك!"

​أخدت نَفَس وطلعته بالراحة:

— "أيوه.. مش بآمرك بصفتي ابنك، أنا بحدد حدودي بصفتي صاحب البيت،

وبصفتي راجل مسؤول عن أمان مراته وابنه اللي لسه مجاش."

 

تم نسخ الرابط