25 سنة روماني مكرم

لمحة نيوز


فيها ناس لسه عايشة يا فندم. البنت دي مش مجهولة، دي نور، والاسم اللي مكتوب على المنديل هو اسم أمها اللي اختفت. البنت كانت محبوسة في قبو بيت يملكه منصور القناوي.. وهو هو نفس البيت اللي حضرتك طلبت مني من سنتين مأقربش منه في حملة الإزالات.
ساد صمت ثقيل في الغرفة. ملامح اللواء رفعت تغيرت، بردت تماماً وكأن قناعاً سقط عن وجهه. اقترب من مكتب حسن وهمس بصوت بارد كالثلج
حسن.. المعاش فاضل عليه تكة. اخرج بكرامتك، وروح لعيالك. منصور القناوي مش مجرد مجرم.. ده صندوق أسود لأسماء لو اتفتحت، البلد دي هتتهز. المنديل ده ارميه، والبنت دي هتتنسي في دار رعاية. ده آخر تحذير ليك.
خرج اللواء وأغلق الباب بعنف، تاركاً حسن في دوامة من الغضب. نظر حسن إلى المنديل، ثم إلى مسدسه الميري الموضوع على المكتب.
لم يكن أمامه سوى خيارين أن يشتري سلامته ويصمت، أو أن يفتح باب الحساب الذي وعد به، حتى لو كان ثمن ذلك حياته هو شخصياً.
سحب مفاتيح سيارته، وقرر العودة إلى عزبة أبو رجيلة.. ليس للمعاينة هذه المرة، بل ليبحث عن الغرفة السرية التي 
وصل العقيد حسن إلى عزبة أبو

رجيلة والليل قد أرخى سدوله. المكان كان موحشاً، بيوت طينية متهدمة تفصل بينها أزقة ضيقة تفوح منها رائحة الفقر والخوف. توقف بسيارته بعيداً عن البيت المقصود، وترجل وهو يتحسس سلاحه تحت جاكتته.
البيت الذي عثر فيه على نور لم يكن مجرد بيت قديم؛ كان أشبه بقلعة مهجورة. دخل من الباب الخشبي المحطم، والتراب يملأ الجو. هذه المرة لم يكن يبحث عن الضحية، بل عن الجلاد.
السر وراء الجدار
نزل حسن إلى القبو مرة أخرى. المكان الذي كانت فيه الطفلة. النور الخافت لكشافه اليدوي كان يرقص على الجدران الرطبة. لاحظ شيئاً لم يره في المرة الأولى؛ هناك اختلاف في لون الأسمنت في الزاوية البعيدة تحت السلم.
بدأ يطرق على الجدار بمؤخرة مسدسه. الصوت كان مكتوماً في كل مكان، إلا في تلك الزاوية.. كان الصوت مجوفاً.
بكل قوته، ركل الجدار عدة مرات حتى بدأت طبقة المحارة تسقط، لتكشف عن فجوة صغيرة خلفها خزنة حديدية قديمة، غارقة في الصدأ. لم تكن الخزنة مغلقة بإحكام، وكأن من وضعها كان واثقاً أن أحداً لن يصل إلى هذا القبو المظلم.
فتح حسن الخزنة بقلب يدق كالمطرقة. وجد بداخلها
دفتر صغير
مليء بأسماء وتواريخ ومبالغ مالية ضخمة.
شرائط تسجيل كاسيت قديمة مكتوب عليها أسماء لشخصيات عامة.
صورة فوتوغرافية تجمع منصور القناوي بشخص يرتدي بذرة رسمية.. دقق حسن في الصورة، وشحب وجهه؛ الشخص الذي بجانب منصور لم يكن سوى اللواء رفعت الشناوي في شبابهم.
ممر الموت
بينما كان حسن يلملم الأوراق، سمع صوت صرير فوق رأسه. خطوات ثقيلة فوق أرضية القبو الخشبية. أغلق كشافه فوراً وانزوى في ركن مظلم.
قلتلك يا باشا العقيد مش هيسكت.. ده عامل زي الكلب البوليسي، مش بيسيب الريحة.
كان هذا صوت عطوة، أحد المسجلين خطر في المنطقة، والمعروف بأنه عين منصور القناوي في العزبة. رد عليه صوت آخر غليظ
منصور بيه قال لو لزم الأمر.. يندفن جنب البت اللي كان عايز يخلص منها. المهم الدفاتر تطلع من هنا.
أدرك حسن أنه وقع في فخ. لم يأتوا لقتله فقط، بل لإخفاء الصندوق الأسود الذي بيده الآن.
الهروب الكبير
تحرك حسن بخفة نحو الفتحة الجانبية التي تطل على ممر ضيق خلف البيت. وبمجرد أن بدأ عطوة ورجله في النزول للقبو، ألقى حسن بقطعة حجر كبيرة في الاتجاه المعاكس لتشتيت انتباههم.
مين هناك؟
! صرخ عطوة وهو يطلق رصاصة عشوائية.
استغل حسن اللحظة وقفز من النافذة الضيقة إلى الزقاق الخلفي. بدأ يركض والأنفاس تتقطع في صدره، وصوت الرصاص يلاحقه ويمزق سكون الليل. ركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية، بينما كانت سيارة دفع رباعي سوداء تلاحقه بمصابيحها العالية التي تعمي الأبصار.
الملاذ الوحيد
لم يجد حسن مكاناً آمناً يتوجه إليه. مديرية الأمن مراقبة، واللواء رفعت ينتظر منه غلطة واحدة. اتجه مباشرة إلى المستشفى.. المكان الوحيد الذي ما زالت فيه نور شاهدة حية على كل ما حدث.
دخل المستشفى وهو يلهث، ملابسه ممزقة وعفار القبو يغطيه. توجه لغرفة الدكتورة سارة التي انتفضت من مكانها
سيادة العقيد! إيه اللي حصل؟!
ألقى حسن بالدفتر والصورة على مكتبها وقال وهو يحاول التقاط أنفاسه
سارة.. الدفتر ده فيه أسماء الناس اللي دمروا حياة البنت دي.. والناس دي بره دلوقتي بيحاولوا يقتلوني. مفيش حد أثق فيه غيرك.. لو حصل لي حاجة، الدفتر ده يوصل للصحافة.. مش للشرطة.
في تلك اللحظة، انقطع التيار الكهربائي عن المستشفى تماماً، وساد صمت قاتل.. صمت لم يقطعه سوى صوت خطوات عسكرية
منتظمة تقترب من باب الغرفة.

 

تم نسخ الرابط