25 سنة روماني مكرم

لمحة نيوز

خمسة وعشرين سنة في المباحث شفت فيهم القاتل اللي قلبه حجر، والحرامي اللي مفيش زيه، وتجار السم اللي بيدمروا بلد بحالها
بس عمري ما قلبي اتهز بالشكل ده غير النهارده.
لما شفت البت الصغيرة دي وهي متشبثة بسرها الأخير قبل ما تقع من طولها وتغيب عن الوعي.
كان ممر مستشفى النور الدولي طويل وكئيب النور الأبيض فيه بيخبط في دماغي زي المطرقة.
كنت قاعد على كرسي خشب قديم، بفرك إيديا اللي مش راضية تبطل رعشة من ساعة ما شلتها بين إيديا.
عيني كانت في الأرض بعدّ بلاط السيراميك
خايف أبص على باب العناية المركزة خايف يتفتح في أي لحظة ويقولولي إن روحها راحت.
يا سيادة العقيد حسن؟
رفعت راسي فجأة جسمي كله شد.
كانت الدكتورة واقفة قدامي ملامحها فيها حزن، وبتمسك النضارة بتاعتها وهي باصة في الملف.
أنا الدكتورة سارة المنصوري المسؤولة عن الحالة.
وقفت قدامها كأني عيل مستني حكم عليه
البنت يا دكتورة لسه فيها أمل؟
خدت نفس طويل وقالت بهدوء
عدّت أخطر مرحلة بس حالتها تصعب على أي حد.
عندها جفاف شديد وصل لبداية فشل كلوي جسمها هزيل أوي، العضم باين من تحت جلدها
وكمان عندها التهاب رئوي جامد من المكان اللي كانت فيه.
بلعت ريقي بالعافية
يعني هتعيش؟
بصتلي بنظرة فيها شوية اندهاش وقالت
عندها إرادة غريبة كأنها

مستنية حاجة متعلقة بالحياة بسبب لسه محدش عارفه.
بس يا سيادة العقيد الموضوع أكبر من مرض البنت دي متدمرت نفسياً.
ضيقت عيني وقلبي بيغلي
إزاي يعني؟
قالت بصوت أوطى
في آثار حديد على إيديها ورجليها مش يوم ولا اتنين ده شهور يمكن سنين.
ولما حد بيعدي جنبها حتى لو خيال بتترعب بتكمش نفسها وتصرخ بس من غير صوت.
واضح إنها كانت محبوسة لوحدها فترة طويلة جداً.
في اللحظة دي حسيت النار مسكت في صدري.
قالت أي حاجة؟ اسم؟ مكان؟
هزت راسها
ولا كلمة سجلناها مجهولة.
بس في حاجة غريبة الممرضة قالت إنها كانت ماسكة منديل قماش قديم عليه حروف متطرزة.
طلعت كيس الأدلة من جيبي المنديل كان متبهدل ومليان تراب بس الحروف واضحة
س . م
قلت وأنا ببص عليه
يمكن ده أول خيط يوصلنا للي عمل فيها كده.
حكايات رومانى مكرم 
خرجت من المستشفى الهوا بيخبط في وشي كأنه بيجلدني.
ركبت عربيتي ولسه هادور، الموبايل رن.
الاسم اللي ظهر أنا حافظه كويس اللواء رفعت الشناوي.
حسن إيه أخبار اللي لقيتها في عزبة أبو رجيلة؟
دي طفلة كانت مدفونة بالحيا يا فندم لقيتها في قبو تحت بيت قديم حالتها تكسر الحجر.
سكت شوية وبعدين قال بنبرة جد
اسمع يا حسن إنت فاضلك كام شهر وتطلع معاش خلّصها على خير.
بلاش تدخل نفسك في القضايا التقيلة دي
سلّم الملف للنيابة وشؤون القُصَّر وخلاص.
الكاتب_رومانى_مكرم 
قفلت الموبايل من غير ما أرد
بصيت للمنديل في الكيس وقلت بيني وبين نفسي
في حسابات لازم تتصفى حتى لو بعد سنين
والبنت دي هي اللي هتفتح باب الحساب.

مرت ثلاثة أيام، ولم يغادر العقيد حسن بهو المستشفى إلا لساعات قليلة يغير فيها ملابسه ويعود. كان يجلس كالحارس على باب الغرفة رقم 402، يراقب الممرضات وهن يدخلن ويخرجن بصمت، حتى جاءت اللحظة التي انتظرها.
فتحت الدكتورة سارة الباب، وأشارت له بيدها
العقيد حسن.. البنت فاقت. بس أرجوك، هدوء تام. أي حركة مفاجئة ممكن تكسر اللي بنحاول نبنيه.
دخل حسن بخطوات ثقيلة، يحاول كتم صوت حذائه على الأرضية الرخامية. كانت الطفلة تبدو أصغر بكثير وسط الأجهزة والأسلاك. عيناها كانت مفتوحتين، تائهتين في سقف الغرفة، لكن بمجرد أن شعرت بحركته، انكمشت على نفسها في زاوية السرير، وصدرها بدأ يعلو ويهبط بسرعة جنونية.
هششش.. اهدي يا بنتي.. أنا اللي شلتك من هناك.
قالها حسن بصوت مبحوح، وهو يخرج المنديل القديم من كيس الأدلة ويضعه ببطء على طرف السرير. ما إن رأت الطفلة المنديل حتى سكنت تماماً. مدت يدها المرتعشة، أصابعها الرفيعة التي تشبه أغصان الشجر اليابس تلمست حروف س . م، وانفجرت في بكاء صامت.
. دموع تنهمر دون صرخة واحدة، وهو أصعب أنواع البكاء.
همست بصوت يشبه حفيف الشجر
..ماما.. كانت.. بتخبينا..
المكتب القديم
لم ينتظر حسن طويلاً. توجه مباشرة إلى مكتبه في مديرية الأمن. تجاهل نظرات زملائه وتساؤلاتهم عن سبب اهتمامه بقضية بنت العزبة. فتح ملفات القضايا المنسية، القضايا التي غطاها التراب وأُغلقت تحت بند فقدان أثر.
قضى ساعات يبحث عن علاقة بين الحروف س . م وعزبة أبو رجيلة. وبعد بحث مرير، وجد ورقة صفراء باهتة تعود لعام 2014. محضر يفيد باختفاء سيدة تدعى سلوى المنياوي وابنتها الصغيرة نور.
ملاحظة من المحضر مقدم البلاغ زوجها، أفاد بأنها هربت مع طفلتها لجهة غير معلومة.. تم حفظ المحضر لعدم وجود شبهة جنائية بناءً على شهادة الجيران.
صك حسن على أسنانه وهو يقرأ اسم زوجها منصور القناوي.
الاسم لم يكن غريباً عليه. منصور كان ذراعاً سابقاً لأحد الحيتان الكبار في تجارة الأراضي، واختفى عن الساحة منذ سنوات بعد قضية غسيل أموال شهيرة.
المواجهة الصامتة
بينما كان حسن يغرق في الأوراق، شعر بظل يقف على باب مكتبه. رفع رأسه ليجد اللواء رفعت الشناوي واقفاً ببدلته الرسمية، والشرر يتطاير من عينيه.
أنا مش قلتلك تسلم الملف وتكبر دماغك يا حسن؟ إنت بتنبش في قبور اتقفلت من عشر سنين ليه؟

وقف حسن وواجه اللواء بصلابة لم يعتدها منه الأخير
القبور دي
 

تم نسخ الرابط