بنتي غادة
"ماما.. بصي على رجلها."
"شايفة يا حبيبتي، ربنا يتولاهم."
"الأسفلت سخن أوي يا ماما، هيدوب رجلها."
وفجأة، ومن غير ما أفهم، بنتي راحت قعدت على الرصيف وفتحت كرتونة جزمتها الجديدة!
قلبي هبط في رجلي ساعتها: "غادة! يا حبيبتي دي جزمتك.. إنتي تعبتي وشقيتي فيها 6 شهور!"
بصت لي بنظرة كلها ثقة ويقين.. النظرة الصافية اللي مفيش حد بيعرف يبصها غير الأطفال:
"أنا عندي جزم تانية في البيت يا ماما.. هي معندهاش خالص."
وقبل ما ألحق أمنعها أو أتكلم، قامت وشالت الكرتونة وطلعت جري عبر الممر.
بعدها بلحظات، البنت الحافية كانت بتبص للكوتشي الأبيض اللي بخطوط بمبي وكأنها مش مصدقة إن ده حقيقي ولا في حلم. أمها حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط بدموع محبوسة.
البنت همست بحاجة مسمعتهاش، وغادة ضحكت ضحكة صافية من قلبها.. ضحكة تمنيت لو أقدر أحبسها في قزازة وأشيلها للعمر كله.
روحت البيت وغادة لابسة كوتشيها القديم المتقشر، بس كنت حاسة بفخر يملى الدنيا.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري وكنت خارجة أجيب ملفات وأوراق نسيتها في العربية.
بس أول ما فتحت باب الشقة وطلعت الجنينة.. ركبي سابت!
وقلبي كان هيقف من الخضة.
النجيلة بتاعة الجنينة والمشاية كانوا غرقانين
عشرات الكراتين.. مرصوصة رصة عسكرية بالمسطرة فوق النجيل الأخضر.
"ماما؟" صوت غادة جه من ورايا، "هو ده لينا؟"
معرفتش أنطق.
نزلت على ركبي قدام أقرب كرتونة لينا، وشديت الغطا بتاعها بقوة.. وبصيت جواها.
في اللحظة دي، صرخة حادة ومكتومة طلعت من حنجرتي من الصدمة!
غادة اتخضت ونزلت على الأرض جنبي وهي بتترعش: "ماما! في إيه؟ إيه اللي جوه؟.......
إيه اللي جوه الكرتونة؟
الكوتشي الأبيض اللي بخطوط بمبي! نفس الموديل، ونفس الماركة، ونفس المقاس.. بس الصدمة الحقيقية مكانتش هنا.. الصدمة إن الكرتونة كان فيها كمان ظرف مقفول، ولما فتحته ولقيت اللي جواه، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
جوه الظرف كان فيه رزمة فلوس جديدة لانج، يجي فيها 20 ألف جنيه، ومعاها ورقة مكتوبة بخط إيد مبهدل ومهزوز:
"ده حق الشقى والتعب اللي غادة تعبته في 6 شهور.. وحق الكوتشي اللي قلعتوه لبنتي في عز الشمس. الجزم دي كلها هدايا لغادة.. بس أمانة عليكي يا ست هانم اقري الورقة التانية اللي تحت الجزم، عشان تفهمي الكراتين دي جت منين.. وتعرفي الحقيقة اللي مستخبية عنك وعن جوزك من سنين!"
أنا وغادة كنا واقفين في الجنينة مذهولين، الـ 68 كرتونة مرصوصين زي العساكر، وكل
شلت الجزم بسرعة وطلعت الورقة التانية اللي كانت مستخبية في قاع الكرتونة. كانت عبارة عن أوراق رسمية، وعقود، وتنازلات قديمة، ومعاها رسالة تانية طويلة، من شخص اسمه "الحاج عبد الحميد".. الراجل ده كان شريك قديم لأبو دينا وجوزي (حمايا الله يرحمه).
بدأت أقرا والدموع في عيني، والذهول بياكل عقلي. الحاج عبد الحميد كاتب في الرسالة:
"يا بنتي.. أنا الراجل اللي دينا وعيلتها كلوا حقي من عشر سنين، ورموني في السجن بعد ما زوروا إمضتي على شيكات، واخدوا نصيبي في شركة الأحذية دي وقعدوا على ملايينها.. والست التعبانة اللي بنتك غادة ادتها الكوتشي في كارفور، تبقى بنتي (منى)، والطفلة الحافية تبقى حفيدتي!
الدنيا دارت بيا، وبعد ما كنت صاحب ملايين، بقيت مش لاقي آكل، وبنتي اضطرت تنزل تبيع مناديل وتستجدى الناس عشان تجيب لي دوا السكر. لما غادة بنتك قلعت كوتشيها الجديد وادته لحفيدتي، بنتي عرفتها.. عرفت الشبه اللي بينها وبين أبوها (جوزك محمود)، وسألتها عن اسمها، ولما غادة قالت لها (أنا غادة محمود الشافعي)، بنتي بكت لأنها عرفت إن
الكراتين دي هي الشحنة الأخيرة اللي أنا قدرت أتحفظ عليها بالقانون من مخازنهم قبل ما يفلسوا ويقفلوا، والورق اللي معاكي ده هو المستندات الأصلية اللي تثبت إن دينا وأمها زوروا العقود، ونهبوا كمان ورث جوزك (محمود) اللي دينا مفهماه إنه خسر في البورصة زمان! أنا كنت شايل الورق ده ومستني اللحظة المناسبة، ولما شفت كرم بنتك غادة، عرفت إن بيتكم فيه خير، وإن ربنا اختاركم تظهروا الحق.. خدي الورق ده وادّيه لجوزك، وخليه يواجه أخته اللي شايفة الطيبة (هبل وخيابة)!"
أنا كنت واقفة في نص الجنينة مش قادرة أصلب طولي. غادة كانت بتبص لي وهي مش فاهمة حاجة، وبتقول ببراءة: "ماما.. هو أنا عملت حاجة غلط؟"
خدتها في حضني وبكيت بكاء هسيري: "لأ يا قلب ماما.. إنتي عملتي اللي عاجزين عنه شحوطة كبار.. إنتي رجعتي الحق لأصحابه."
في نفس اللحظة دي، تليفوني رن.. كانت "دينا"!
رديت عليها وصوتي كله ثبات وثقة، سبقتها قبل ما تنطق بكلمة من كلامها المسمم: "أهلاً يا دينا.. إنتي كنتِ بتقوليلي إمبارح إن الطيبة الماسة دي هتزعل بنتي بعدين، صح؟"
دينا بنبرة متعالية: "أيوا طبعاً، وأنا لسه عند كلامي، وفري نصايحك، وجهزوا