في الليلة
تقاريرك في قسم الطوارئ. ابن الدون الوحيد، آدم، بيموت في القصر، والدكاترة الكبار مش عارفين ماله. المرتب اللي هتاخديه هناك في شهر، يعادل اللي بتكسبيه هنا في ٥ سنين.. بس فيه شرط واحد دخلتي القصر، تلتزمي بالدوا المكتوب، وما تسأليش عن أي حاجة بتشوفيها بره أوضة الطفل.
مريم بلعت ريقها، كانت خائفة، لكن نظرتها لرزم الأموال لم تكن طمعاً؛ بل تذكرت ديون المستشفى لعلاج والدتها، وتذكرت سكنها الإيجار الذي يهددها صاحب البيت بالطرد منه كل أول شهر. أخذت نفساً طويلاً، وأومأت برأسها موافقة.
ولم تكن تعلم أنها بتلك الموافقة، كانت تخطو بقدميها داخل وكر أفاعٍ يخطط لإبادة وريث عائلة الكاروني بدم بارد.
نعود إلى ليلة العاصفة.. داخل أوضة الطفل آدم.
كانت مريم تقف مذهولة وهي تمسك بالمقص الطبي، والفوم الممزق للمخدة يتناثر حول قدميها، بينما الإبر المسمومة اللامعة وسط البرق تبدو كأسنّة رماح صغيرة موجهة لرقبة طفل بريء. المادة السوداء اللزجة لم تكن سوى سم السيانيد البطئ الممزوج بمهدئات عصبية شديدة، مادة تم تركيبها بعناية لتُمتص عبر جروح وخز مجهرية كلما تقلب الطفل في نومه، لتبدو الوفاة بعد أشهر كأنها فشل كلوي طبيعي أو سكتة دماغية ناتجة عن مرض وراثي نادر.
آدم بنشيج وخوف وهو يتمسك بقميصها الكحلي مريم.. أنا خايف.. راجل الرمل هيحبسني في الضلمة؟
مريم حطت يدها على فمه برفق وهي تهمس وعيناها بتمسح الأوضة ششش.. متخافش يا آدم. إنت في أمان دلوقتي.. مفيش راجل رمل، ومفيش إبر تاني. بس اسمعني.. متطلعش أي صوت.
الباب انفتح فجأة بصرير خفيف خلع قلبها.
لم يكن الدون سليم.. بل كان الدكتور رمزي، الطبيب الخاص بالعائلة، الذي كان يدخل كل ليلة بحجة فحص المؤشرات الحيوية للطفل. كان يرتدي معطفه الطبي الأبيض، وفي يده حقنة
الدكتور رمزي بتلعثم وغيظ مكتوم مريم! أنتي هببتي إيه؟ مين سمحلك تقطعي مخدة الطفل؟ دي مخدة طبية معالجة مخصصة لحالته النادرة!
مريم وقفت
بكل شموخ، ورفعت المقص الطبي في وجهه طبية معالجة يا دكتور رمزي؟ وإلا مخدة إعدام بالسم البطيء؟ الإبر دي مغطاة بمركب السيانيد، والتحاليل اللي أنا كنت شاكة فيها وبعتها لمعمل بره القصر باسم مستعار، أثبتت إن آدم مريض ب تسمم جنائي متعمد.. إنت مش دكتور، إنت قاتل مأجور شغال عند حد جوه البيت ده!
رمزي فقد أعصابه تماماً وطلع طبنجة صغيرة من جيب معطفه ووجهها نحوها تخرسي خالص يا مريم! لو طلعتي صوت واحد دلوقتي، الرصاصة دي هتدخل دماغك ودماغ الواد ده، وهنقول إنك جيتي تقتليه وإني دافعت عنه! امضي معايا على التقرير الطبي ده إن الوفاة طبيعية، وتاخدي مليون دولار وتختفي بره أمريكا كلها الليلة دي!
المليون دولار دول خليهم لكفنك يا رمزي.
الصوت جاء من عتمة الممر بره الأوضة. صوت عميق، هادئ، ويحمل بروداً جعل الدكتور رمزي يسقط الطبنجة من يده لتصطدم بالرخام.
انفتح الباب بالكامل، ودخل الدون سليم الكاروني بكامل هيبته وطوله الفارع، لابس معطفه الأسود الطويل، وعيونه الغامقة كانت بتبث موتاً صافياً. وخلفه كان يقف أنور الدسوقي رئيس حراسه، ومعه ١٠ رجال مسلحين سدوا الممر بالكامل.
الدكتور رمزي سقط على ركبتيه وهو يرتجف ويبكي سليم بيه! أنا.. أنا انضحك عليا! أنا مكنتش أعرف! دي.. دي الست الكبيرة جينا هي اللي هددتني بقتل عيلتي لو ما نفذتش المخطط ده! هي اللي مش عايزة ابنك يورث الإمبراطورية وعايزة الميراث يروح لولاد أخوها!
الدون سليم لم ينظر للطبّيب المنهار. مشى بخطوات بطيئة نحو السرير،
سليم بصوت مبحوح ومليان وجع وأبوة سامحني يا آدم.. أبوك كان بيحارب وحوش بره، ومكنش عارف إن الأفاعي نايمة معاك في نفس السرير.. متخافش يا قلب بابا.. الوجع خلص خلاص.
التفت سليم لمريم، ونظر إلى صباعها اللي بينزف دم، وإلى المقص الطبي في إيدها، وظهرت في عينيه نظرة تقدير عميق واحترام لم يمنحها لبشر من قبل.
الدون سليم مريم.. أنتي خالفتي الأوامر، وسألتي، ودققتي، وقطعتي المخدة اللي الكل تظاهر إنه مش سامع صريخ ابني بسببها. أنتي الوحيدة اللي صنتي الأمانة في البيت ده.
مريم بثبات أنا ممرضة يا فندم.. وواجبي أحمي الروح، حتى لو كانت الروح دي في بيت زعيم مافيا.
وقف الدون سليم بكامل طوله، وبحركة واحدة من يده أشار لأنور الدسوقي
سليم ببرود مخيف أنور.. رمزي يتأخد على المخازن القديمة في الميناء.. خليه يدوق من نفس المادة السوداء اللي كان بيحطها لحمادة في المخدة، عشان يعرف طعم الموت البطيء بيبقى إزاي. والست الكبيرة جينا.. يتم التحفظ عليها في جناحها، ويتم سحب كل التوكيلات والأملاك والشراكات اللي باسمها من بكرة الصبح، وتتنفى في مزرعة نائية في أطراف تكساس تحت حراسة مشددة لحد ما تموت لوحدها من غير مليم واحد من فلوس الكاروني.
صراخ الدكتور رمزي وهو يُسحب من الحراس كان بيدوي في القصر كله، وسط صمت والتزام تام من باقي الخدم والرجال الذين عرفوا إن الدون رجع يحكم بقبضة من حديد ونار.
التفت سليم لمريم وقال لها بنبرة هادئة وآمرة
سليم مدام مريم.. من بكرة الصبح، الشغل في المستشفى القديم انتهى. إنتي من اللحظة دي المشرفة الطبية الرسمية والمسؤولة الأولى
كارما ابتلعت ريقها وبصت لآدم اللي كان بيبتسم لها وسط دموعه، وحست إن ربنا سبحانه وتعالى سخر لها الرحمة دي في قلبها عشان تنقذ طفل مظلوم، وتفتح لنفسها أبواب العوض والخير اللي عمرها ما حلمت بيه.
مرت سنتين على الليلة الموعودة..
قصر ليك فورست الشاسع مبقاش المكان الضلمة المليان بريحة الخوف والمؤامرات. الحديقة الكبيرة بقت تملأها زهور الأوركيد والياسمين، وصوت ضحك آدم كان بيملا المكان وهو بيجري ويلعب بالكرة وصحته بقت بمبي وأقوى من الأول بمليون مرة.
مريم كانت قاعدة في التراس الكبير بتشرب قهوتها وهي لابسة فستان شيك جداً ووقور، وبتراجع التقارير الغذائية لآدم بابتسامة حقيقية.
قرب منها الدون سليم الكاروني، وحط كوباية القهوة بتاعته وبص ليها بتقدير كبير
سليم تعرفي يا مريم؟ المقص الطبي الصغير اللي قطعتي بيه المخدة من سنتين.. كان أهم وأقوى سلاح دخل بيتي ده من يوم ما تأسس.. لأنه سلاح قطع الكدب والغدر، ورجع لي ابني ورجع للبيت ده روحه.
مريم ابتسمت بوقار لأن الأمان مابيتشريش بالحراس والسلاح يا دون سليم.. الأمان بيجي لما نحمي الضعيف ونصون العهد ونمشي بالحق والرحمة.
اتعلم سليم الكاروني إن القوة الحقيقية مش في عدد الرجالة المسلحين بره القصر، القوة في وجود قلوب نظيفة وصادقة جوه البيت تحمي وتصون في عز العاصفة. والبنت الغلبانة اللي دخلت القصر وهي خايفة من رجالة السلاح، بقت هي الحصن الحقيقي اللي أمّن حياة الوريث، وفتحت لعيلة الكاروني أبواب حياة جديدة مليانة بالنور والكرامة
تمت.