جارتي الارملة الكاتبة نور محمد
جارتي الأرملة اللي كنت مأمنااها على ابني، واللي كنت بشوفها طوق نجاة ليا، كانت في الحقيقة بتخطط تسرقه وتطير بيه بره مصر وتلغي وجودي من حياته للأبد.
أنا سلمى، وجوزي مسافر بيشتغل بره من سنتين، وعايشة لوحدي مع ابني زين اللي عنده ٦ سنين. من حوالي ٤ شهور، نقلنا شقة جديدة في عمارة هادية جداً ومحترمة.
أول حد اتعرفت عليه كانت جارتي اللي في الشقة اللي قصادي.. مدام صفاء.
ست أرملة، في أواخر الخمسينات، شيك جداً، هادية، وعايشة لوحدها. من أول يوم شافت فيه زين وهي اتعلقت بيه بشكل مش طبيعي. كانت دايماً تخبط علينا معاها كيكة، أو شوكولاتة، أو لعبة جديدة.
ومع ضغط شغلي ووحدتي، كنت بشوفها طوق نجاة.
سيبيه معايا يا سلمى وانزلي شغلك وانتي مطمنة، ده زي حفيدي اللي مجاش للدنيا.. دي كانت كلمتها دايماً.
وبالفعل، بقيت بسيبه معاها. كنت برجع ألاقيه واكل، ومستحمي، وهدومه نظيفة. كنت بدعيلها من كل قلبي.
لكن.. من حوالي شهر، بدأت ألاحظ حاجات صغيرة بتنغص عليا راحتي.
زين بدأ يتغير.
بقى يرفض ياكل من إيدي
بقى يكره ينام في حضني ريحة طنط صفاء بتنيميني أسرع.
حتى هدومه اللي بشتريها بقى يرفض يلبسها، ومبيلبسش غير الأطقم الغالية اللي هي بتجيبهاله.
الوضع وصل لقمته الأسبوع اللي فات، لما رجعت لقيتها واخداه الحلاق، وقاصة شعره قصة قديمة جداً وغريبة، ولما اتعصبت وسألتها ليه عملتي كده من غير إذني؟
ابتسمت ببرود وقالتلي أصل القصة دي بتليق على وشه أكتر.. خليه يفرح يا سلمى متقديش الدنيا.
حاولت أبلع الموقف عشان مفيش بديل ليها يمسك ابني، بس إحساس الأمومة جوايا كان بيصرخ إن في حاجة غلط. في حاجة مش طبيعية في نظرتها ليه.. نظرة تملك، مش مجرد عطف.
لحد ما جت ليلة إمبارح.
رجعت من الشغل بدري ساعتين عن ميعادي. خبطت على باب مدام صفاء، محدش رد. بس لاحظت إن الباب موارب مكنش مقفول كويس.
زقيت الباب براحة ودخلت عشان مأزعجهمش لو نايمين.
الشقة كانت هادية جداً، وصوت موسيقى قديمة شغال من الأوضة اللي جوه.
وأنا ماشية في الصالة، عيني لمحت حاجة على طرابيزة السفرة خلتني أقف مكاني زي الصنم.
كان
قربت من الطرابيزة بخطوات بتترعش.. وبصيت في الألبوم.
كان مليان صور لطفل صغير.. نفس ملامح زين.. نفس قصة الشعر الغريبة اللي قصتهاله الأسبوع اللي فات.. ونفس الطقم اللي جابتهوله!
بس الصور كانت قديمة ومصفرة من سنين طويلة.
قلبت الصفحة، لقيت شهادة وفاة للطفل ده بتاريخ من ٢٠ سنة.. واسمه كريم.
وقعت عيني على الورق اللي جنب الألبوم.. كانت تذاكر طيران لبره مصر وتاريخها النهارده بالليل!
وتحت التذاكر.. كارثة خلت الدم يهرب من عروقي..
باسبور جديد.. عليه صورة ابني زين.. بس الاسم المكتوب جنبه كريم محمود.. ابنها!!
حطيت إيدي على بوقي عشان أكتم صرختي. الست دي مكنتش بتساعدني.. دي كانت بتعيد إحياء ابنها الميت في ابني، وكانت بتجهز عشان تسرقه وتنسبه لنفسها!
وفي اللحظة اللي لفيت فيها عشان أجري على الأوضة وأخطف ابني وأهرب..
سمعت صوت تكة مفتاح الباب الرئيسي بيتقفل من ورايا.
لفيت ببطء ورعب..
لقيت مدام صفاء واقفة ساندة على
كنت عارفة إنك هترجعي بدري النهاردة يا سلمى.. وعشان كده، أنا جهزتلك القهوة بتاعتك... وقهوتك دي بالذات، مش هتقدري ترفضيها.
ببص على إيدها التانية.. لقيتها ماسكة حاجة خلت ركبي تخبط في بعضها ومابقيتش قادرة أقف على رجلي...
ببص على إيدها التانية.. لقيتها ماسكة حقنة طبية مليانة سائل شفاف، وعينيها فيها نظرة جنون صافي مفيهاش ذرة من حنية طنط صفاء اللي كنت عارفاها.
حقنة مهدئة يا سلمى.. هتنيمك يومين تلاتة، ولما تصحي هنكون أنا وكريم سافرنا وعوضني عن السنين اللي عشتها من غيره. إنتي أم مهملة، بتسيبيه طول اليوم عشان الشغل، لكن أنا هفرغله حياتي!
قالتها وهي بتقرب مني بخطوات بطيئة، كأنها أسد بيقرب من فريسته.
عقلي كان بيغلي.. ابني نايم في الأوضة اللي جوه، والباب مقفول، والست دي مجنونة ومستعدة تقتلني عشان تاخده. لو ضعفت أو انهارت، هخسر ابني للأبد.
في اللحظة دي، غريزة الأمومة ادتني ثبات انفعالي معرفش جبته
قررت ألعب معاها لعبة الوقت.
رجعت