ماما ماتت من ٨ سنين
ماما ماتت من 8 سنين.. كان عندها سرطان ف البنكرياس ف المرحلة الرابعة.. كان عندنا بس 11 أسبوع من ساعة ما اتشخصت لحد ما ودعناها..
كنت منهار ف الجنازة.. بابا انهار قدام الكنيسة قبل ما الجنازة تبدأ أصلًا.. قعد ف العربية لمدة 20 دقيقة وأنا دخلت لوحدي لأنه ماكنش قادر يتحرك..
خالي عيط خلال الجنازة.. ولاد خالاتي عيطوا لما عزفوا الأغنية اللي ماما كانت بتحبها.. الكل كان بيعيط ومكسور..
ماعدا أختي "إيما".. إيما هي اللي خططت للجنازة.. هي اللي اختارت الورد.. كتبت التأبين.. اتعاملت مع دار الجنازات.. عملت كل الاتصالات بالقرايب..
كان عندها وقتها 26 سنه وبتدير الموضوع كله كأنها كانت بتدرب عليه طول حياتها.. معيطتش والا مرة.. لا ف الجنازة والا العزا والا ف وقت الدفن..
قولت لها "انا مش عارف ازاي انتي ماسكه نفسك كده"
قالت لي "لازم حد يكون ماسك نفسه"
8 سنين.. عدوا.. إيما معيطتش والا مرة.. لا ف عيد ميلاد ماما.. لا ف عيد الأم.. لا ف يوم ذكرى وفاتها.. كل سنه كلنا بنعيط.. لكن إيما كانت بتجيب أكل وتنضف البيت وتطبطب عليا وتقولي "ماكنتش هتبقى عايزانا زعلانين" وبعدها تروح بيتها.. كنا بنحمد ربنا على قوتها..
بس كان في حاجة غريبة.. كل يوم حد لمدة 8 سنين إيما كانت بتاخد
الشهر اللي فات عربيتي باظت ف كنت محتاج أستلف عربية إيما.. بس هي كانت بالفعل مشيت.. ف أخدت عربية مراتي واتحركت.. وانا ماشي عديت على المقابر اللي فيها أمي.. لقيت عربية إيما مركونة..
قررت الحد اللي بعده إني أمشي وراها.. أنا مش فخور إني عملت كده.. ركنت بعيد عنها.. هي مشافتنيش.. نزلت من عربيتها ومشيت في إتجاه القبر بتاع ماما.. قعدت على الأرض قدامها.. كان معاها ترمس قهوة..
وبعد ما قعدت بدأت تعيط.. تعيط جامد.. العياط اللي مش بتعيطه قدام الناس.. العياط اللي بتعيطه وانت لوحدك.. كتافها كانت بتترعش.. جسمها كله كان بيترعش..
كانت ماسكه شاهد القبر بايديها الاتنين وبتعيط كأنها لسه سمعه خبر وفاة ماما حالًا.. 8 سنين محدش شافها بتعيط عشان تعيط كل يوم حد لوحدها..
يوم الاتنين روحت لإدارة المقابر.. الموظفة لما سألتها قالت "اووه.. إيما دي أكتر واحده بتيجي تزور هنا.. بتيجي كل يوم حد.. بتجيب ورد.. بتتكلم مع مامتها لمدة ساعة.. وأحيانا بتقرا لها.. الشهر اللي فات جابت معاها كتاب قالت إن مامتها كانت
بتجيب ورد!! بتقرا لماما!! بتتكلم محادثة من طرف واحد مع ماما كل أسبوع من 8 سنين.. 416 يوم حد.. محدش فينا كان يعرف عنها حاجة..
استنيت أسبوعين وبعدين قولت لها بهدوء واحنا قاعدين على ترابيزة مطبخها "انا عارف بموضوع المقبرة"
اتجمدت ف مكانها وسألتني "تقصد ايه؟؟"
قولت لها "انا مشيت وراكي.. إيما انتي بتروحي كل أسبوع لماما من 8 سنين"
مأنكرتش.. متعصبتش.. حطت قهوتها على الترابيزة وقالت "كان لازم حد فينا يبقى قوي"
سألتها "عشان مين؟"
قالت "عشان بابا.. عشانك.. عشان العيلة كلها.. ماما ماتت وبابا اتحطم.. وانت اتحطمت.. والعيلة كانت محتاجة حد يشيل مسؤولية الجنازة والدفن.. وبعد كده حد يشيل مسؤوليات الأعياد والمناسبات.. ماكنش في عندي رفاهية الإنهيار.. ف قررت إني أجل انهياري عشان يبقى ف ساعة محدده ف الأسبوع.. قررت أجدول حزني عشان ماكنش فيه وقت والا مكان مناسب"
جدولت حزنها!! كأنه اجتماع!! كأنه معاد.. وحافظت عليه لمدة 8 سنين.. عشان العالم كله كان محتاجها تكون قوية 6 أيام ف الأسبوع.. وادت نفسها الإذن إنها تنهار ف اليوم السابع..
قولت لها "ماكنش المفروض تشيلي كل ده لوحدك"
قالت "انا عارفه.. بس ف الوقت اللي أدركت فيه ده.. كان بقالي كتير أوي بعمل كده ف
سألتها "طيب ينفع ابقى اجي معاكي؟"
قالت "ممكن... بس مش كل مرة.. في أيام خليها بتاعتي لوحدي"
رحت معاها لحد دلوقتي 4 مرات.. في أيام بتروح لوحدها.. بسيبها.. عشان هي عندها حق.. في حزن خاص.. في حزن بيكون هو الشئ الوحيد اللي فاضلك من حد.. ومشاركته مع غيرك معناه إنك هتخسر أخر حاجة بقيالك ف الشخص ده..
بجيب لها قهوة أيام الحد اللي بتروح فيها لوحدها دلوقتي.. بسيبه قدام باب بيتها قبل ما تصحى.. ومعاها ورقة مكتوب فيها "انا شايفك".. هي عمرها ما شكرتني على القهوة.. هي مش مضطره تعمل كده..
هي بقالها 8 سنين شايله حزنها وكل حاجة لوحدها.. ماكنتش تعرف إن حد هيشوفها أخيرًا.. متأكد إن ماما كانت هتبقى فخورة بيها..
فخورة بالطريقة اللي كانت ماسكه بيها العيلة كلها مع بعضها.. بالطريقة اللي شالت بيها حاجات محدش غيرها كان هيقدر يشيلها.. بالطريقة اللي جدولت بيها دموعها عشان باقيتنا ننهار في سلام..
إيما كانت قوية.. هي بس ماكنتش قوية بالشكل اللي احنا كنا فاكرينه.. كانت قوية لدرجة