مرات اخويا ٣
حسام قال وهو بيبكي بنشيج يقطع القلب: "أنا اللي قتلت نهى يا إبراهيم!"
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. قعدت على الكرسي ومش مصدق: "قتلتها؟ قتلتها إزاي وهي ماتت في الولادة؟ الدكاترة كلهم قالوا ولادة متعسرة!"
حسام بدأ يحكي، والقصة كانت أبشع من أي حاجة ممكن يتخيلها عقل:
"نهى قبل ما تولد بشهرين، تعبت جداً. الدكاترة قالوا إن عندها مشكلة كبيرة في القلب، وإن الحمل ده خطر على حياتها، ولازم نعمل إجهاض فوراً عشان ننقذها. نهى رفضت، بكت واترجتني وقالت لي: (يا حسام أنا نفسي في طفل منك، لو موت عشان ابننا يعيش أنا راضية). أنا كنت بحبها الأعمى، ومكنتش مستعد أخسرها. وافقت مع الدكاترة إننا نعمل الإجهاض غصب عنها في مستشفى خاص تبع واحد صاحبي.. وجهزنا كل حاجة.
يوم العملية، نهى عرفت بالاتفاق.. صرخت في وشي وبكت وهربت من البيت. جريت وراها في الشارع، وفي لحظة عصبية وجنون مني، مسكتها جامد وزقيتها عشان أركبها العربية بالعافية.. نهى وقعت على بطنها من على الرصيف!
نزفت نزيف شديد، وخدتها وجريت على المستشفى.. الدكاترة قالوا إن النزيف دمر كل حاجة، وإنها بتنازع. دخلت غرفة العمليات، وقبل ما الباب يقفل، بصت لي بنظرة عمري ما ه نساها.. نظرة عتاب وكسرة وموت، وقالت لي بنفس الحشرجة: (حسام.. متسيبنيش.. حسام الحقني).. ودخلت وماتت!
يوم ما الممرضة خرجت بالبنت.. أنا مكنتش رافض بنتي يا إبراهيم. أنا لما بصت في وش الطفلة، مشوفتش ملاك صغير.. أنا شوفت عينين نهى الميتة، وشوفت وشها الشاحب، والبنت فتحت بؤها وطلعت نفس الحشرجة بنفس الكلمات! أنا خوفت.. اترعبت إن ربنا يعاقبني ويخليني أشوف ذنبي قدام عيني كل
قعدت أسمع كلام حسام وجسمي كله بيقشعر. الحقيقة كانت مرة، وصعبة. أخويا مش مجرد أب قاسي.. أخويا شايل ذنب ومطارد بلعنة الندم.
قولتله وأنا بحاول أتمسك بثباتي: "والحل يا حسام؟ البنت ذنبها إيه؟ البنت بتكبر واللعنة دي بتكبر معاها.. الصمت اللي كانت فيه طول السنين دي مكنش طبيعي، ده كان كبت للحاجة اللي جواها!"
حسام قال بخوف: "أنا هاجي يا إبراهيم.. أنا لازم أرجع.. المواجهة هي الحل الوحيد، أنا لازم أطلب منها السماح.. لازم أطلب من روح نهى تسيب البنت وتتحاسب معايا أنا."
قفلنا السكة، وحسام حجز أول طيارة لمصر. اليومين اللي فاتوا على ما حسام يوصل كانوا كابوس حقيقي. مريم بدأت تتغير.. مبقتش البنت الهادية. بقت تقعد في ضلمة الأوضة، ترفض الأكل، ولو حد قرب منها تبص له بنظرة حادة وغريبة تخلي الواحد يرجع لورا من الخوف. مكنتش بتتكلم، بس كانت بتكتب على الحيطة بضوافرها كلمات مش مفهومة، وخطوط عشوائية مرعبة.
يوم وصول حسام، الجو كان مغيم والليل ليل بسرعة. مراتي أخدت ولادي وراحت عند أهلها، مكنش ينفع يسهروا في البيت ده الليلة دي. فضلت أنا ومريم في البيت مستنيين حسام.
الساعة دقت 11 بالليل، الباب خبط. جريت فتحت، وكان حسام واقف.. شعره شايب، وشه مليان تجاعيد، مش ده حسام اللي سافر من عشر سنين خالص، ده راجل عجوز مكسور الهموم.
أول ما دخل، بصلنا وبص حواليه وهو بيترعش: "فين مريم؟"
قولتله بنبرة واطية: "فوق في أوضتها.. اجهز يا حسام، اللي هتشوفه مش سهل."
طلعنا السلم خطوة خطوة، وصوت ضربات قلوبنا كان مسموع. وصلنا للأوضة، الباب كان موارب.
مريم كانت قاعدة على السرير، مديانا ضهرها. أول ما حسام دخل الأوضة، الهوا الساقع رجع تاني.. وريحة المعقمات والشاش الموتور ملأت المكان. مريم بدأت تلف وشها.. وبنفس الحركة الخشبية المرعبة.
حسام أول ما شاف وشها، رجع لورا وظهره خبط في الحيطة، حط إيده على قلبه وبدأ يتنفس بصعوبة. وش مريم كان شاحب كالأموات، وعينيها بيضاء تماماً.. وبدأت تقف على السرير ببطء.
اتكلمت.. بنفس الصوت، نفس الحشرجة المرعبة اللي بتهز الجدران: "رجعت ليه يا حسام؟ جاي تاخدني تاني؟"
حسام وقع على ركبه، الدموع انفجرت من عينه زي الشلال، صرخ بأعلى صوته وهو بيضرب على صدره: "سامحيني يا نهى! أنا أسف.. أنا كنت غبي، كنت بحبك ومكنتش عايز أضيعك.. أنا السبب في موتك وموت حلمنا.. عاقبيني أنا، خديني أنا، بس سيبي البنت.. مريم ملهاش ذنب! مريم حتة منك!"
البنت بدأت تقرب من طرف السرير، وحركاتها كانت غريبة وكأنها عايمة في الهواء. بصت لحسام بعيونها البيضا، والصوت طلع تاني بس المرة دي كان فيه بكاء وموجع: "أنا كنت خايفة يا حسام.. أنت زقيتني.. أنت سيبتني أموت لوحدي!"
حسام زحف على الأرض لحد ما وصل تحت رجليها، مسك رجليها الصغيرة وبدأ يبوسها ويبكي بحرقة: "والله العظيم ما كان قصدي.. عمري ما تمنيت لك الشر.. أنا عايش في جحيم بقالي عشر سنين، كل يوم بدعي ربنا ياخدني عشان أجيلك.. سيبي بنتك تعيش، وعاقبيني أنا!"
في اللحظة دي، حصلت حاجة عجيبة.. الغرفة اهتزت فجأة، وصوت ريح قوية ضربت الشبابيك لدرجة إن الزجاج كان هيتكسر. مريم رفعت إيديها لفوق، وصوت الحشرجة
وفجأة.. صمت تام.
الريح وقفت، والبرودة اللي في الأوضة اختفت وحل مكانها دفا غريب. مريم عينيها رجعت لطبيعتها، ونزلت النني الأسود الجميل بتاعها.. بصت حواليها بزهول، ولما شافت حسام راكع على الأرض وبيبكي، ونظرت ليا.. ملامحها رجعت لطبيعتها تماماً.. ملامح طفلة بريئة مفيش فيها أي شر.
مريم نزلت من على السرير بالراحة، قربت من حسام اللي كان لسه حاطط راسه بين إيديه وبيعيط. مدت إيدها الصغيرة وطبطبت على شعره الشايب.. ولأول مرة من عشر سنين.. لأول مرة مريم تتكلم بصوتها الطبيعي.. صوت طفلة رقيق وناعم ومفهوم:
"متبكيش يا بابا.. ماما بتقولك إنها مسمحاك.. وبتقولك متسيبنيش تاني."
حسام رفع راسه ببطء، بصلها وهو مش مصدق.. البنت نطقت! ونطقت بصوتها هي، وبتقوله "يا بابا"!
حسام أخدها بكل قوته، وبقى يبكي ويصرخ بس المرة دي مكنش رعب.. دي كانت دموع راحة، دموع غسلت ذنب عشر سنين من العذاب والهروب.
أنا وقفت عند الباب، دموعي نازلة على خدي، وأخيراً اتنفست بحرية. عرفت إن روح نهى مكنتش جاية تأذي البنت، هي كانت حابسة صوت البنت وملازماها لحد ما حسام يرجع ويواجه ذنبه ويطلب السماح.. كانت عايزة تضمن إن بنتها هتعيش أبوها مش متبرية منها.
من اليوم ده، حسام مسافرش تاني. قعد معانا في مصر، وأخد مريم ، وعوضها عن كل سنين الحرمان. ومريم بقت بنت طبيعية، بتضحك وتلعب وتتكلم.. والبيت اللي كان مليان سكون ورعب، بقى مليان بصوت ضحكتها اللي رجعت الروح لينا كلنا. وفهمت إن ساعات الهروب من الذنب بيبقى أبشع من الذنب نفسه، وإن المواجهة هي الحاجة