مرات اخويا ٢

لمحة نيوز

الصوت كان طالع حشرجة مخنوقة، نفس الصوت اللي سمعته وهي بتنازع في غرفة العمليات قبل ما تموت: "حسام.. متسيبنيش.. حسام الحقني!"
​في اللحظة دي، شريط الذكريات اتعرض قدام عيني في ثانية واحدة.. افتكرت حسام لما الممرضة قربت منه بالطفلة، وافتكرت نظرة الرعب اللي في عينه. حسام مكنش خايف من الطفلة عشان هي السبب في موت مراته زي ما كنا فاكرين.. حسام في اللحظة دي، لما بص في وش البيبي اللي لسه مولود، مشافش ملامح طفلة.. شاف ملامح مراته الميتة وهي بتبص له وبتعاتبه! حسام هرب مش من بنته.. حسام هرب من السر اللي دفنه مع مراته!
​تراجعت خطوتين لورا، وجسمي كله بيلتفض. مراتي كانت بتعيط بهستيريا وتشدني من هدومي: "يا إبراهيم.. الحق بنتنا.. في إيه؟ مريم مالها؟!"
حاولت أستجمع قوتي، وقدمت خطوة ناحيتها.. ناديت عليها بصوت مرعوب ومتحشرج:

"مريم.. يا بنتي.. سامعاني؟"
​أول ما نطقت اسمها، البنت اتنفضت، وعينيها المقلوبة رجعت لطبيعتها في ثانية. وقعت على الأرض مغمى عليها وكأن في حد قطع الخيوط اللي كانت محركاها. جريت عليها، شلتها في .. جسمها كان تلوج، مفيش فيه أي حرارة. مراتي جابت مصلية وجريت تقرأ قرآن وهي بتبكي، وأنا أخدت مريم وخرجت بيها برة الأوضة دي خالص، نيمتها في أوضتنا وفضلنا قاعدين جنبها لحد الصبح، مفيش حد فينا رمش ولا غمض له جفن.
​تاني يوم، مريم صحيت وكأن مفيش حاجة حصلت! رجعت لهدوئها وسكوتها المعتاد، لما سألناها هي فاكرة إيه من امبارح، بصت لنا ببراءة وقالت بصوتها الضعيف: "أنا كنت بلعب.. ونعست يا بابا".
​مريم مكنتش فاكرة حاجة.. لكن أنا ومراتي كنا هنموت من الرعب. البيت مكنش طبيعي، السكون اللي كان مالي البيت عشر سنين اتقلب لتوتر يقطع الأنفاس.
هنا قررت إن السكوت مش هينفع.. أنا لازم أعرف حسام شاف إيه؟ وإيه السر اللي مخلّي روح "نهى" أو حاجة شبهها مش عايزة تسيب البنت في حالها؟
​قعدت على اللاب توب بتاعي، وبدأت أدور على أي طريقة أوصل بيها لحسام. حسام من يوم ما سافر كندا، غير أرقامه، وقفل حساباته القديمة، ومبقاش بيكلم غير واحد صاحبه من أيام الجامعة اسمه "شريف". كلمت شريف، وأول ما رد عليا، قولتله بنبرة حاسمة ومفيش فيها فصال:
"شريف.. أنا عارف إن حسام بيتواصل معاك. اسمعني كويس.. البنت بتموت، وإحنا بنموت، والبيت هيتهد فوق دماغنا. لو ما خلتش حسام يكلمني حالا، أنا هسافر له كندا وأجيبه من شعره. قسماً بالله الموضوع حياة أو موت!"
​شريف حس بنبرة صوتي إنه مفيش مجال للهزار أو المماطلة. قفل معايا، وبعد ساعتين بالظبط، رن تليفوني برقم دولي غريب. فتحت الخط بسرعة
وإيدي بترتعش: "ألو؟"
جاني صوته.. مكسور، ع provide شوز، وتعبان وكأنه كبر ميت سنة: "إبراهيم؟"
​"أيوا يا حسام.. إبراهيم اللي سيبت له لحمك ودمك وهربت.. إبراهيم اللي بقاله عشر سنين بيربي بنتك وهو مش فاهم أنت عملت كده ليه!"
صوت حسام بدأ يتهدج بالبكاء: "عاملة إيه يا إبراهيم؟ مريم عاملة إيه؟"
صحت فيه بغضب ممزوج برعب: "مريم مش عاملة! مريم امبارح اتكلمت بصوت نهى يا حسام! وشها اتقلب وبقت نسخة من نهى وهي بتموت، وبتقول نفس كلامها.. حسام، أنت شوفت إيه يوم ولادتها؟ وليه سيبتها وهربت؟"
​الناحية التانية من الخط شهدت حالة صمت رهيبة، مكنش مسموع فيها غير صوت أنفاس حسام المتلاحقة والباكية. بعد دقيقة كاملة من الصمت، قال بصوت مبحوح: "كنت عارف.. كنت عارف إنها مش ه تسيبها.. الذنب بياكل فيا كل يوم يا إبراهيم."
​"ذنب إيه؟ أنطق
ريحني!"

تم نسخ الرابط