روحت اقدم لابني في مدرسة ٢
أول ما شفته وقفت، كنت عايزة أجري عليه أستخبى في حضنه، وفي نفس الوقت كنت عايزة أخنق بإيدي دي.. طارق كان وشه أصفر زي الليمونة، عينه في الأرض، مكسور ومرعوب، مش هو ده الراجل الواثق من نفسه اللي كنت بعشقه.
الظابط بصلنا وقاله: "تعالى يا طارق.. المدام منى بتقول إنك جوزها، وإنك أنت اللي مطلع الورق ده كله.. إيه قولك في البلاغ اللي ضدها بالتزوير؟"
طارق بص للظابط، ولمح أدم وهو نايم ع الكرسي وتعبان، وفجأة انهار.. قعد على ركبه وبدأ يعيط بحرقة ويقول:
"أنا المذنب يا باشا.. منى ملهاش ذنب في أي حاجة.. هي متعرِفش.. أنا اللي زورت قسيمة الجواز، وأنا اللي عملت شهادة ميلاد أدم المزورة دي.. هي ضحية لغبائي وأنانيتي!"
الظابط زعق فيه: "وليه تعمل كدة؟ أنت مش جوزها؟"
هنا طارق قال الكلمة اللي قسمت ضهري نصين: "لأ.. أنا مش جوزها رسمي.. قسيمة الجواز اللي اتكتبت في بيتها كانت مزورة، والمأذون كان واحد صاحبي لابس عِمة وجبته معايا.. أنا متجوزتهاش يا باشا!"
أنا سمعت الجملة دي وحسيت إن روحي بتتسحب مني.. صرخت صرخة مكتومة ووقعت من طولى ع الأرض.. العساكر لحقوني وفوقوني بشوية مية.. كنت ببص لطارق وبقوله بصوت مبحوح: "ليه؟ ليه عملت فيا كدة؟ أنا دمرت حياتي عشانك؟ سبع سنين عايشة معاك في الحرام؟ سبع سنين مخدوعة؟ وأدم.. ابني.. ابن حرام يا طارق؟!"
طارق كان بيعيط ويقول: "لا يا منى والله.. أنتِ مراتي قدام ربنا.. إحنا قرينا الفاتحة وباباكي وافق والنية كانت حلال.. بس أنا مكنش ينفع أتجوزك رسمي.. مكنش بإيدي!"
الظابط خبط على المكتب وقال بحسم: "بقولك إيه.. سبرتو
طارق مسح دموعه وبدأ يتكلم.. والكلام اللي قاله كان الصدمة التانية.. الصدمة اللي خلتني أكتشف إني كنت عايشة في وسط تمثيلية قذرة ومقرفة..
طارق قال:
"يا باشا.. أنا متجوز من عشر سنين.. متجوز واحدة قريبتي من بلدنا اسمها 'غادة'.. غادة دي بنت عمي، وإحنا متجوزين رسمي وعايشين في شقة تانية في منطقة قريبة من هنا.. غادة ست طيبة وبتحبني، بس المشكلة إنها مبتخلفش.. بقالنا سنين بنلف على الدكاترة ومفيش فايدة.. وأنا كان نفسي في حتة عيل يشيل اسمي.. روحي كانت بتروح كل ما أشوف طفل."
كمل طارق وهو بيبصلي بنظرة رجاء: "لما قابلت منى.. حبتها.. حبتها بجد ومشاعري ناحيتها كانت حقيقية.. وشفت فيها الأم اللي هتديني العيل اللي بحلم بيه.. بس المشكلة كانت في غادة وأهلها.. عمي كاتبلي الشغل والمحلات اللي بشتغل فيها باسمي، وكان شرطه في الجواز إني متجوزش عليها خالص، ولو عرف إني اتجوزت، هياخد مني كل حاجة.. هيشردني أنا وأمي.. وهيطلق بنته مني ويهد بيتي.. مكنتش هقدر أتجوز رسمي لأن الجواز الرسمي بيتبعت منه إخطار على عنوان الزوجة الأولى.. وغادة وأهلها كانوا هيعرفوا فوراً!"
أنا كنت بسمع وحاسة بقرف.. قرف من كل كلمة.. كمل طارق وهو بيعيط: "فكرت وفكرت.. والشيطان وزّني.. قولت أتجوز منى عرفي؟ أهلي وأهلها مش هيوافقوا وباباها راجل صعيدي ومحترم وميرضاش بكدة.. فملقتش قدامي غير الحيلة دي.. اتفقت مع صاحبي يمثل دور المأذون، وزورت الدفتر والورق، وجيت لباباها الله يرحمه ودخلت البيت من بابه
الظابط قاطعه بنظرة شك وذكاء: "طب ماشي.. فهمنا قصة قسيمة الجواز المزورة.. طب شهادة ميلاد الطفل؟ أنت بتقول إنك عملت شهادة مزورة لمنى.. طب الواد ده متسجل إزاي في الحكومة؟ ولا هو ملوش وجود أصلاً في الدولة؟"
هنا طارق سكت.. وشه جاب ألوان.. وبدأ يترعش تاني..
الظابط زعق: "انطق!! الواد ده متسجل باسم مين؟"
طارق وطى رأسه وقال بصوت يدوب مسموع: "الولد متسجل رسمي في الدفاتر الحكومية يا باشا.. أدم ابني شرعي وقانوني ١٠٠٪.."
الظابط استغرب: "إزاي؟ وأنت قايل لمنى إن الشهادة اللي معاها مزورة؟"
طارق بلع ريقه وقال الكارثة الكبرى: "أنا خدت ورق الصحة من المستشفى لما منى ولدت.. المستشفى كانت خاصة.. وخدت تبليغ الولادة.. ورحت مكتب الصحة.. وسجلت أدم باسمي.. وباسم مراتي الأولى.. غادة!"
في اللحظة دي.. أنا حسيت إن السقف وقع عليا.. حسيت ببرودة في كل جسمي..
أدم.. ابني.. اللي تعبت في حمله تسع شهور.. اللي سهرت جنبه في تعبه.. اللي رضع من صدري ودبحت عشانه عقيقة.. مكتوب في دفاتر الدولة باسم واحدة تانية؟! باسم واحدة عمرها ما شافته ولا تعرفه؟
صرخت فيه زي المجنونة، هجمت عليه وأنا بضربه في وشه وفي صدره والدموع عامياني: "ابنييييي!!! ابني أنا يا واطي يا خاين! تسجل ابني باسم واحدة تانية؟ تحرمني من أمومتي؟ تحرمني من اسمي على ورق ابني؟ يا جبروتك يا أخي! يا أخي منك لله.. ربنا ينتقم منك!"
العساكر حجزوني عنه بالعافية، وأنا كنت بنهج وبموت.. الظابط نفسه كان مذهول من كمية الخسة والنذالة
طارق قعد يبرر وهو بيبكي: "والله يا منى كنت هقولك.. أنا سجلته باسم غادة عشان يبقى واد قانوني وليه شهادة ميلاد حقيقية، وعشان لما يكبر يدخل مدرسة.. وغادة مبتخلفش فكانت كدة كدة هتفرح بيه وتعتبره ابنها.. أنا مكنتش عايز أظلم أدم.. كنت عايز أضمن له مستقبله وأخليه يورث في أملاك عمي!"
الظابط بصله باحتقار شديد وقاله: "أنت بني آدم مريض وأنانى.. أنت دمرت ستين.. واحدة عيشتها في الحرام وخدعتها وسرقت ابنها منها.. وواحدة تانية مغفلها ومسجل باسمها طفل مش ابنها.. أنت مكانك السجن."
الظابط أمر بحبس طارق على ذمة التحقيق بتهمة التزوير في أوراق رسمية، وانتحال صفة، وتزوير شهادة ميلاد. وبصلي وقال بنبرة فيها شفقة لأول مرة:
"مدام منى.. أنتِ كدة قانوناً خارج قضية التزوير لأنك ضحية ومكنتيش تعرفي.. بس فيه مشكلة.. الولد ده كدة على الورق مش ابنك.. ابن الست التانية.. ولازم يتعمل قضية إثبات نسب وتصحيح شهادة الميلاد.. والنيابة هتطلب استدعاء للزوجة الأولى 'غادة' عشان تسمع أقوالها، وتشوف هل هي شريكة في التزوير ده ولا مضحوك عليها هي كمان."
خرجت من مكتب الظابط وأنا مش شايفة قدامي.. خدت أدم في حضني وقعدت في ممر القسم.. الولد كان بيبصلي ويقولي: "ماما.. إحنا ليه هنا؟ وفين بابا؟ ويلا نروح عشان أنا جعان."
كنت ببوسه وببكي.. بقوله: "حاضر يا قلب ماما.. حاضر يا حبيبي.. كل حاجة هتبقى كويسة." بس جوايا كنت عارفة إن مفيش حاجة هتبقى كويسة.. حياتي اتهدت في ثانية.
تاني يوم الصبح.. كنت قاعدة في النيابة مع المحامي اللي جبته بفلوس كنت محوشاها للزمن.